اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
390
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
عليه في الأوساط العلمية الأوروبية كنية أبى الفدا إلا أنه غلب عليه الشرق لقبه عماد الدين أو لقب الإمارة الملك المؤيد ؛ أما اسمه فهو إسماعيل بن علي الأيوبي . وسترة حياته معروفة لنا جيدا بفضل ما خلفه لنا من ملاحظات وفيرة في سيرة حياته الخاصة التي تذكرنا في بعض خطوطها بسيرة حياة أمير شيزر أسامة بن منقذ الذي عاش بالشام أيضا ولكن قبل قرن من أبى الفدا وخلف مذكرات ممتعة عن حياته الخاصة 49 . هذا قد سارت حياة أبى الفدا بحسب ما يبتغى حتى اعتقد البعض أن الأقدار حابته كثيرا 50 . وإلى جانب ما منحته إياه الأقدار من ذهن صاف وقريحة فياضة وملكة شعرية وتملك لمختلف فروع المعارف إلا أنه برز كذلك بشجاعته وصفاته العسكرية ؛ وقد اعترف له معاصروه بالمرونة والاستعداد الدبلوماسى فاستطاع في تلك الأزمنة الشديدة الاضطراب أن يحتفظ بما ورثه عن آبائه من أملاك بل وأن بوسع رقعتها . وكانت تلك الفترة التاريخية عصيبة حقا فقد استمر الكفاح ضد الصليبيين من ناحية وضد تحركات المغول على الشام من ناحية أخرى ، أضف إلى هذا أن سلطان المماليك لم يكن قد ثبت بعد في الشام بصورة قاطعة ؛ وعلى أية حال فقد كانت قرائن الأحوال تشير إلى أن - - سلطان مصر هو صاحب القوة الكبرى وقد أحس أبو الفدا بهذا ولعل ذلك هو السبب الذي جعله يثبت على ولائه لدولة المماليك . ولد أبو الفدا في سنة 762 ه - 1273 بمدينة دمشق التي كان قد التجأ إليها آنذاك أبوه أمير حماة ؛ وقد سارت مهمة تثقيفه في الأدب جنبا إلى جنب مع تدريبه العسكري وصحب أباه وهو في سن الثانية عشر في الحملة التي انتزعت من أيدي الصليبيين قلعة المرقب ، كما أخذ جانبا وهو في سن السادسة عشرة في إخراج الصليبيين من طرابلس ؛ وفي عام 691 ه - 1291 أخذ طرفا في حملة على أرمنيا الصغرى بقيادة السلطان لاچين ؛ وتنسب أسطورة أوروبية هذا الأخير إلى جماعة الفرسان التيوتون Teutonlc ) ( Knights وتزعم بأنه قد وصل إلى فلسطين مع الصليبيين ولكنه لم يلبث أن أخذ جانب المسلمين ونال المكانة لديهم شيئا فشيئا حتى صار سلطانا 51 ؛ ومن الخير أن نضيف أن هذه الأسطورة مجهولة تماما في المصادر العربية 52 هذا وقد ربط أبو الفدا كفاحه مع المماليك نهائيا في عام 698 ه - 1299 وذلك في عهد خليفة لاچين السلطان الناصر الذي ظل أبو الفدا مخلصا له طوال حياته . وفي عام 701 ه - 1301 أخذ أبو الفدا طرفا في الحملة الثانية للماليك « * » على آسيا الصغرى ، وقريبا من ذلك العهد قام بزيارة لبلاط السلطان بالقاهرة لأول مرة فقوبل بما هو أهل له من تقدير واحترام وأعيدت إليه حقوقه الشرعية بعد عامين من هذا فثبت أميرا على حماة . ومنذ تلك اللحظة استقر في أملاكه ولكنه كان يرى بالقاهرة في المناسبات والأعياد كما أدى فريضة الحج بضعة مرات صحب فيها أحيانا السلطان الذي كان يأنس بصحبته ؛ وحوالي
--> ( * ) ورد في الكتاب سهوا « المغول » بدلا من « المماليك » . ( المترجم )